Printed page 450
ثورة فلسطين - أسبابها ونتائجها
حقائق في بيان حال اليهود والإنكليز والعرب والرأي في مستقبل العرب والشرق
(2)
حقيقة حال الإنكليز
قد بيَّنا في الفصل الأول من هذا المقال حقيقة حال اليهود: ما يعدُّ لهم وما يعد عليهم، ومنه ما هو خفي عن أكثر الناس.
وأما الإنكليز فأمرهم مشهور عند قراء الصحف وغيرهم لكثرة خوضها في سياستهم وأعمالهم، ونقلها مناقشات برلمانهم فيها، ونقل أقوال صحفهم وصحف الأمم الأخرى في نقدها مدحًا وذمًّا، وإنما تخفى على الكثير منهم أخلاقهم وصفاتهم العامة، وما طرأ عليها من تغير، فنذكر ما يعنينا من ذلك.
كان القوم مشهورين بالصدق والعدل والحزم والتدبير ومراعاة حرية الناس في أديانهم وآرائهم، وبالوفاء بالوعود والعهود في معاملاتهم الشخصية والدولية، كما اشتهروا بالدسائس والحيل والكيد والمكر، والعجب والكبر، والرياء والإفك (*) ، ولم يكن كل ما يقال في الشهرتين حقًّا ولا كله باطلاً؛ وإنما مرجع أكثر ما يوصفون به من فضيلة إلى أخلاق الأفراد ومزايا الشعب يفيض شعاعه على الحكومة، كما أن مردَّ أكثر ما يوصفون به من رذيلة إلى الحكومة، وقد يثور غباره في وجوه الشعب، وما كانت تمدح به حكومتهم وحدها، فمنه ما هو حق إلا أنه نسبي لا تام في الغالب، ومنه ما هو من تأثير الدعاية (البوربغنده) التي لم يتقنها أحد كإتقانهم، ولا تنفق في سبيلها دولة كإنفاقهم، وأعني بالنسبي أمرين (أحدهما) ما يكون من المقايسة بين الإنكليز وغيرهم من المستعمرين ولا شك أنهم أمثل وأعقل وأنبل (وثانيهما) ما يكون من التوازن بينهم وبين الحكومات الوطنية للبلاد التي يتولون أمرها بالأسماء المختلفة أو المختلَقَة التي يضعونها لها كغيرهم (كالحماية والاحتلال والإجارة والانتداب) وما غُلب أولو سلطان وإمارة على حكمهم وانتُزعت منهم
(*) الإفك صرف الشيء عن وجهه الحق إلى غيره.