Printed page 393
ولكنهم على كل ما أوتوا من هذه القوى المعنوية، ليسوا بأولي قوة حربية؛ لأنهم كما قال الله تعالى فيهم: {أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} (البقرة: 96) وقد فقدوا ملكات الملك والاستقلال، وليس لهم من البراعة في الزراعة واستغلال الأرضين عشر معشار ما لهم من استغلال النفوذ، فهم يعتمدون فيما يرومون من الاستقلال في الوطن القومي في فلسطين على قوة الإنكليز تحميهم، وعلى استغلال أهلها العرب في تعمير ما يسلبونهم من رقبتها بجعلهم أجراء فيها، ولا يهولن أحدًا طلب عشرة آلاف من شبانهم الأمريكيين إذن حكومتهم لهم أن يذهبوا إلى فلسطين لقتال العرب؛ لأن الذي جرَّأهم على هذا هو ظل الدولة البريطانية، لا ظل الدولة اليهودية والراية الصهيونية، ولا شك أن الأمة العربية الحربية بالطبع أقوى منهم مهما يكن جمعهم وهجرتهم، وقد جمع اليهود وعدوانهم أشتات الشعوب العربية في أوطانها ومهاجرها، فاتفقوا على الدفاع عن عرب فلسطين وحفظ وطنهم لهم، واجتمعت كلمة العالم الإسلامي كله على تأييدهم، بل الأمر أعظم من ذلك، ولا قبل للدولة البريطانية بعداوة العرب والمسلمين، وإن كانت لا تزال مصرة على ظلمها في فلسطين.
(12) لقد كان الخطر الصهيوني على هذه البلاد عظيمًا لو جروا فيه على النهج الذي أشرنا إليه من أعمالهم في الأمم، من دس السم في الدسم، والصبر الطويل، مع إخفاء القصد البعيد، بنصب الحبائل الاقتصادية لابتياع الأرض بالتدريج، وجعل الهجرة إليها بالسير البطيء، ولكنهم استعجلوا، وقد يكون مع المستعجل الزلل، واغتروا باستخدام القوة الإنكليزية وضمها إلى قوتهم، وقد يحبط الغرورُ العملَ، وناهيك بغرور الماديين منهم بالمال، وغرور المتدينين منهم ببشارات الأنبياء، وغرور السياسيين منهم بما أوتوا من المكر والدهاء، ثم ناهيك بتأييد الدولة البريطانية لهذه القوى كلها بقوتها العظمى قوة التصرف في الأمم، والنفوذ في الدول، إذ أعطتهم بها وطنًا من أوطان الأمة العربية التي تعدها من ميراثها، وعند هذه الأمة من بشارة نبيها في الظهور على اليهود ما هو أصرح من بشارات أنبياء اليهود المبهمة، كما صرَّحنا به في العام الماضي وسنعود إليه بالتفصيل.
(وسنبين في الفصل الثاني من هذا المقال كنه حال الإنكليز وسياستهم مع العرب واليهود) .