Printed page 457
ذلك أصل الحضارة القديمة التي استمد منها اليونان فالرومان مدنيتهم، وأما الحضارة الحديثة فواضعو أساس علومها وفنونها هم العرب العدنانيون في العهد الإسلامي، كما يشهد لهم بذلك الحكماء والمؤرخون المنصفون من علماء الإفرنج على ما بينهم وبين الدول الأوربية ودعاة الدين من التنازع والتخاصم.
ولا ننكر أن العرب استمدوا من كُتب اليونان والفرس والهنود الذين كانت حضاراتهم قد درست وعفت رسومها ودُفنت كتبها في أرماس خزائن الملوك والبيوتات، فنبشوا تلك القبور، وأحيوا تلك الرمم، وصححوا واستدركوا، وزادوا واستنبطوا، وقرنوا العلم بالعمل، واستقلوا في ذلك حتى صار لهم فن مستقل خاص بهم، ووضعوا من العلوم ما لم يكن لغيرهم، وكان ذلك كله في وقت قريب خارق للعادة، فقد حقق حكيم الاجتماع الفرنسي الأكبر الدكتور (غوستاف لوبون) في كتابه (تطور الأمم) أن ملكة الفنون لا تحصل في الأمم إلا في ثلاثة أجيال: جيل المقلدين وجيل المخضرمين وجيل المستقلين، قال: وشذ العرب وحدهم فاستحكمت لهم ملكتها في جيل واحد صار لهم فيه فنون خاصة بهم، وفي كتابه (حضارة العرب) الذي صنَّفه قبل هذا الكتاب بعشرات السنين تفصيل لهذه الشهادة والدلائل عليها والرسوم الممثلة لها، وقد صرح فيه وفي غيره ولا يزال يصرح بأن العرب أساتذة أوربة في مدنيتها الحاضرة.
أنبياء العرب وملوكهم
(2) قد كان في العرب أنبياء مرسلون، وكان فيهم ملوك استشاريون مقيدون، كملكة سبأ التي قالت لرجال الدولة أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (النمل: 32) وكان الدين هو المرشد الأول إلى الحضارة فيهم وفي جميع الأمم، وأكثر ما بقي من آثار فنون الأقدمين وصناعاتهم عليه الصبغة الدينية الباعثة عليه كأهرام مصر وبرابيها ونواويسها، وكذلك شرائعهم وآدابهم، وإنما كانت تغلب البدع الوثنية على عقائد الدين الصحيحة وأحكامه التي يجمعها الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، ومن أهم أركان العمل الصالح العدل والصدق والأمانة، كما أن أعظم أركان الإيمان التوحيد، وفي آثارهم المنقوشة ومخلفاتهم الباقية ما يدل على جميع ذلك،