أنى يعتبر المسلمون بأحوال البشر، وما في الأرض من الآيات والعبر،
وعلي أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، وقلوبهم في أكنة لا يصل إليها وعظ
الواعظين، ولا تنبيه المنبهين، فالعبرة بعيدة عنهم ما دامت هذه الحوائل والموانع
بينهم وبينها، وسننبه عليها في هذه المقالة، وإن كنا فصَّلنا القول فيها من قبل؛ فإن
أكثر قومنا ينسون النافع ويحتاجون إلى التكرار.
لو كنا نسمع أخبار الأمم سماع تدبر، أو نعقل الحوادث بحكمة وتبصر، لما
كنا نضرب المثل إلى اليوم بذُلِّ اليهود وضعفهم، ونخشى أن نكون في يوم من
الأيام مثلهم ونحن لا نعرف أنفسنا ولا نعرفهم، لا نعرف من فضلنا عليهم في
الحياة الاجتماعية إلا أن بعض بلادنا لا تزال تحت رياسة أمراء منا، وأنهم
محرومون من السلطة، ويا ليتنا كنا نبصر الطريق التي تسير فيه أمراؤنا بتلك
البقايا من البلاد؛ لنعلم أهو طريق سلفنا العدول الصالحين الذين ورثوا الأرض
لأنهم صالحون لعمارتها؟ أم هو طريق خلفهم المستبدين الجائرين الذين أضاعوا
أكثر الممالك الإسلامية حتى لم يبق لنا منها إلا ذلك البعض الذى أعمانا الغرور به
على ما نشاهد من استبداد الأجانب علينا فيه.
ثم يا ليتنا كنا نبصر الطريق الذي يسير اليهود فيه الآن؛ لنعلم هل هو طريق
سلفهم الذين كانوا مغرورين بالنسب الشريف (سلالة الأنبياء) واللقب الضخم
(شعب الله - أبناء الله وأحباؤه) والاعتماد على بركة التوراة في الاستفتاح على
الأمم والانتصار على المناصبين من غير عمل بما ترشد إليه من الاتحاد والاعتصام؟
أم هو طريق آخر اعتبروا فيه بسنن الله في خلقه فحافظوا على لغتهم وجامعتهم
الملية مع تشتتهم في جميع أقطار