الخطر الذي أعنيه، بل لما وجدت هذه الصهيونية التي نخشاها

وننذر الأمة خطرها.

تلك عقيدة دينية مرت القرون، ولم يستعد اليهود لظهورها وإظهارها بقوة

اجتماع ولا سلاح ولا مال، ولا عمل من الأعمال، بل كانت مانعة لهم من

الاستعداد لإعادة ملكهم من طريق الأسباب؛ لاعتقادهم أنه سيكون بآيات إلهية هي

فوق الأسباب، فمثلهم فيه كمثل جماهير المسلمين - ولاسيما الشيعة - في عقيدة

المهدي المنتظر بظهوره بعد أن تملأ الأرض ظلمًا وجورًا، فيملؤها عدلاً.

كانت هذه العقيدة من أسباب خنوع المسلمين وسكونهم وسكوتهم على ما

أصابهم من جور الظالمين المخربين منهم، ثم من سلب الإفرنج لأكثر ملكهم: كلما

ظهر فيهم عاقل يدعوهم إلى الدفاع عن أنفسهم يصدونه بقولهم: إن الأرض ملئت

جورًا وظلمًا، وقد قرب زمن ظهور المهدي، ولن ينقذها غيره، ولم يخطر في بال

أحد من زعمائهم أن يدعوهم إلى الاستعداد لظهوره ليكونوا معه كما كان المهاجرون

والأنصار مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لاعتقادهم أن ظهوره وعمله سيكون

بالكرامات وخوارق العادات؛ ولذلك خُدِعَ ألوف منهم بظهور الدجالين المدعين لهذه

المهدوية، ولما هو فوقها ومتمم لها من ظهور المسيح، كما فعل الباب والبهاء

وغلام أحمد القادياني، فكانت عقيدة المهدي المنتظر، والمسيح المنتظر مثار فتن

وحروب مبيرة، سُفِكَتْ فيها دماء غزيرة.

رأى بعض اليهود - الذين درسوا العلوم الكونية والاجتماعية والتاريخ في

أروبة - أن قومهم يعللون أنفسهم بأمنية ظهور مسيح يجدد لهم ملكهم، وأن القرون

تتلو القرون على هذا الاعتقاد، وهم لا يزدادون إلا تفرقًا وذلاً بفقد الملك، ورأوا

من عبر التاريخ أن أفرادًا من أصحاب الهمة والعزيمة قد أسسوا ممالك قوية،

فتوجهت عزائمهم إلى تأسيس ملك لقومهم بالأسباب الاجتماعية دون الاعتماد على

الأوهام الاعتقادية النافية لسنن الاجتماع، فأسسوا هذه الدعوة الصهيونية على قواعد

العلم والمال، وتوحيد قوة الأمة وجمع كلمتها.