وضعوا لعملهم رأس مال كبير فكان بنكًا للصهيونية، وضعوا له دائرة

معارف يهودية صهيونية، ووضعوا نظامًا اجتماعيًّا لجمع كلمة الأمة يعقدون له

المؤتمرات تلو المؤتمرات، في أمصار أوربة وأمريكة، ولقد كان اليهود -

المتكلون على ظهور (مسيا) مؤيدًا بالعجائب والخوارق السماوية - ينفرون من

هذا النظام ويعدونه كفرًا وإلحادًا، أو هرطقة وزندقة؛ ولكن الحقائق العلمية

والمساعي العملية، ما زالت تدحض الآراء الوهمية، حتى صار يهود العالم كلهم

أنصارًا للجمعية الصهيونية، حتى إن فقراء يهود اليمن والمغرب الجاهلين

يهاجرون إلى فلسطين؛ ليشهدوا تأسيس ملك إسرائيل.

ما ينبغي لنا ولا لعاقل أن يستصغر عمل هؤلاء القوم، أو يستكبر نهوضهم به

مهما يكن كبيرًا في نفسه، فاليهود شعب قوي العزيمة، شديد الشكيمة، عظيم الكيد

والحيلة، قد أحدثوا أعظم انقلاب في الدول والأمم، وكان آخر ما أحدثوا انقلاب

دولة الخلافة التركية الحميدية، ودولة القيصرية الروسية، ثم كانوا هم السبب في

انكسار الدولة الألمانية القاهرة في حرب المدنية العامة، وإن دولة بريطانية العظمى

لترى نفسها مسخرة لهم في مساعدتهم على تأسيس ما سمته (الوطن القومي في

فلسطين) بمقتضى وعدها لهم بما يسمى (عهد بلفور) وهو الذي اجتمعنا

للاحتجاج عليه اليوم كما نفعل في كل عام، وقد سبقونا هم للاحتفال بهذه الذكرى

في مصر وفي كل قطر، وشتان بين اجتماعنا واجتماعهم، نحن نجتمع للندب

والاحتجاج بالكلام، وهم يجتمعون للتهاني والتعاون بالأموال والأعمال.

فالذي أبغيه بكلمتي هو أن نعتبر بأعمالهم ونقتدي بهم فيها، بل نقتدي بما

أمرنا به كتاب ربنا من المحافظة على ملتنا وأمتنا بالجهاد في سبيله بأموالنا

وأنفسنا.

إن عدد اليهود في العالم كله بضعة عشر مليونًا على أكثر تقدير - 15 أو 17

مليونًا - وإن عدد المسلمين ليبلغ أربعمائة مليون، وإن عدد العرب الذين يريدون

نزع فلسطين من أيديهم لا يقل عن مائة مليون، وإن اليهود خصوم للمسلمين