Printed page 388
التي انتظم في سلكها الملايين من النصارى ومن غيرهم وأكثرهم لا يشعرون، لذلك بذلوا جهدهم في السعي لكشف الأستار عن أسرارها، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم لصد تيارها، بتتبع عوارها، وتقليم أظفارها، وتحريم الدخول فيها على من يدينون دينهم الكاثوليكي ويقلدونهم في فهمهم وعملهم به، وقد توسلوا إلى معرفة أسرارها بعقيدة الاعتراف الديني الذي استباح به كثير من الكاثوليك الحنث بالأيمان المغلظة، ونقض العهود الموثقة، بترجيح العقيدة الدينية على ما عاهدوا عليه الجمعية، ولا سيما وقت الاحتضار، حيث يغلب خوف النار على ذلك العار.
من خفي عليه نفوذ اليهود في أحرار أوربة الغربية والوسطى وملاحدتهم وما كان من حربهم للكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى، فلا أراه يخفى عليه ما كان من نفوذهم في ملاحدة الروس الذين أضعفوا سلطة الكنيسة الأرثوذكسية بمجلس الدوما، ثم أسقطوها بثل عرش القياصرة - دعاتها وحماتها - وتأسيس حكم البلشفية في تلك الممالك الواسعة، وما كان من نفوذهم في ملاحدة الترك بإسقاط نفوذ الخلافة التركية العثمانية، ثم بهدم الشريعة الإسلامية من المملكة التركية، وجعل حكومتها إلحادية تسعى لمحو الإسلام من الشعب التركي ومن الشعوب الأعجمية الإسلامية التي كانت تابعة لها كالألبان والبوشناق وغيرها كالإيرانيين والأفغانيين.
وهم - أعني اليهود - لا يزالون يدينون الله تعالى بتأسيس ملك ديني مدني في فلسطين، يكون ملكهم فيه المسيح الذي ينتظرونه منذ ألوف السنين، كما ينتظر جماعة النصارى والمسلمين المسيح الحق عيسى بن مريم عليه السلام، الذي ورد في الأحاديث أنه سيقتل مسيح اليهود الدجال - أي الذي ينصبونه في فلسطين - فعقائد الملل الثلاث في هذه المسألة متعارضة؛ ولكن المسلمين والنصارى فيها متفقان على تكفير اليهود بجحود المسيح الحق - وهو عيسى بن مريم البتول عليه وعليها السلام - والطعن فيهما، وكل منهم يؤمن به، على الاختلاف المعروف بينهما في صفته، وإنما نقول هذا لبيان الواقع المعروف لا لتحريض الفريقين عليهم، على أنهم استخدموا دول النصارى فظاهرتهم على المسلمين.
(8) كان اليهود متكلين على ما في كتب أنبيائهم من الإنباء بمجيء مسيح (مسيا) يعيد مُلك إسرائيل سيرته الأولى ويجمع أشتات أسباطهم ... ويعتقدون أن