Printed page 391
أوائل بعثته، وقبل ظهور أمره، فنظفوه من الأقذار، وبنى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مسجده هنالك، ثم كان ما كان من أمر تشييد بني أمية للمسجد الكبير ولقبة الصخرة، وأنفقوا عليه خراج مصر كله بضع سنين، فكان ذانك البناءان من أعظم مفاخر الصناعة والهندسة في الأرض، وكان المسجد الأقصى أول القبلتين وثالث الحرمين، وسيبقى كذلك ما دام الإسلام والعرب في الأرض.
وكان من عدل المسلمين ورحمتهم أن رفعوا الاضطهاد عن رؤوس اليهود وعاملوهم بالعدل والرحمة، حتى إنهم صاروا يأذنون لبعضهم بالإقامة في بيت المقدس مع تحديد العدد القليل، وكذا بزيارة الجانب الغربي من سور المسجد الأقصى (البراق) بطلبهم، وكانوا لا يستحلون تجاوزه بمقتضى تقاليدهم، إلى أن يجيء المسيح الذي ينتظرونه لإعادة الهيكل كله إليهم، وإقامة الشعائر والقرابين الموسوية فيه بإعادة ملك سليمان لهم، بالرغم من أنوف جميع المسلمين والنصارى في العالم؛ وإنما كانوا يأذنون لأفراد قلائل منهم بما يتخذون لذلك من الوسائل حتى المالية، فيقفون أمام ذلك الجدار للذكرى وإحياء الشعور الملي مع البكاء والندب ... فقوي أملهم بالتكاثر والتملك في المدينة المقدسة وفي سائر بقاع فلسطين، تمهيدًا لامتلاكها، واستعدادًا لظهور المسيح مجددًا ملك اسرائيل فيها؛ ولكنهم استعجلوا الشيء قبل أوانه، فعوقبوا بحرمانه.
الصهيونية والعرب
(10) ما زال هذا الأمل يقوى ويضعف، ويطفو ويرسب، حتى طمعوا في عهد السلطان عبد الحميد بإباحة الهجرة والامتلاك بلا شرط ولا قيد، ثم طمعوا على عهد دولة جمعية الاتحاد والترقي (التي أسقطت هذا السلطان وملكت على من بعده الأمر بمساعدتهم) في شراء فلسطين من الجمعية ببضعة ملايين من الجنيهات، ولما علمنا بهذه المساعي توخيت أن ألقى معتمد الجمعية الصهيونية بمصر فأستعرف له وأعترفه الحقيقة وأُعرِّفه برأي الجمعيات العربية في الأمر، واهتديت إلى ذلك بسعي بعض معارفي من اليهود. وكان مما كاشفت به المعتمد الصهيوني أن عزم جمعيتهم على شراء فلسطين من إخوانهم في الماسونية زعماء جمعية الاتحاد والترقي قد بلغ زعماء العرب المشتغلين بالسياسة وترقية الأمة العربية، وقرروا فيما بينهم أنه إذا تحقق هذا المشروع