Printed page 459
اللغة العربية لغة هذا الدين وشريعته وناشريه بمحض الرغبة، لا بدعاية الجمعيات ولا بإلزام الحكومة أو نفوذها (كما يفعل الإفرنج في هذا العصر) .
المانع من استيلاء العرب على العالم كله
(4) لقد كان مقتضى هذا الإصلاح الإسلامي العربي أن يعم الأرض ويملك أهله من العرب، سائر ممالك الشرق والغرب؛ ولكن حال دون ذلك تعارض المانع والمقتضي، أما المقتضي فقد عرَّفناه إجمالاً بما تقدم، وأما المانع الذي حال دونه فهو (على قاعدة تقابل العدم بالملكة) عدم الاستقامة على ذلك المنهج الإصلاحي الذي شرعه الإسلام وسار عليه الرسول وخلفاؤه الراشدون، وكان أول من سنَّ الخروج عنه معاوية بن أبي سفيان، ببغيه على أمير المؤمنين علي عليه السلام والرضوان، ثم بإكراهه الناس على بيعة ولده الفاسق يزيد، واحتكار السلطان لبني أمية، فهدم بذلك الحكم الإسلامي الشوروي المبني على أساس سلطة الأمة، وأقامه على الأساس الوراثي المبني على تغلب القوة، فما زالت القوة تعمل عملها حتى سلبتهم هذا المُلك المغصوب، وتغلغل نفوذ أعاجم الفرس في الدولة العباسية، ثم قضى عليها همج الشعوب التركية، فتفرقت السلطة، وتمزقت الوحدة، وزلزلت العدالة، وزالت الخلافة.
من ثم قال أحد علماء الألمان المتعصبين لجنسيتهم أنه ينبغي لنا أن نقيم لمعاوية تمثالاً من الذهب في أعظم ساحة من عاصمتنا (برلين) وينبغي مثل ذلك لجميع شعوب أوربة، إذ لولاه لكانت هذه الشعوب كلها عربية تدين بالإسلام، وبين ذلك بنحو ما قلناه آنفًا؛ ولكن قال أحد أحرار فرنسة ما معناه: لقد كان من سوء حظ أمتنا أن كان أكثر الجيش الذي فتح به العرب القسم الجنوبي من بلادنا من بربر أفريقية الذين لم يتمكن الإصلاح الإسلامي من أنفسهم فكانوا ينقضون العهود ويعتدون على الكنائس وغيرها، حتى أثاروا العصبية والنخوة في أنفسنا، وراجت دعوة الاستنفار العام لقتالهم وإخراجهم من ديارنا، ولو كان أكثرهم من العرب الذين عرفنا سيرتهم العادلة في الشرق والأندلس لما وقع من ذلك العدوان شيء، ولما راجت الدعوة إلى قتالهم وإخراجهم، وإذًا لسبقنا أوربة في الحضارة بضعة قرون.