Printed page 460
إسقاط حرمة الخلافة وإضاعتها
(5) كان إسقاط حرمة الخلافة أولاً بقتل الخليفة الثالث، ثم بالخروج على الرابع، من مقدمات سقوط وحدة السلطة العربية التي انتهت بتعدد السلاطين ودول الطوائف، وكان اتساع دائرة الفتوحات في الشرق والغرب وصعوبة المواصلات مما يتعذر معه وحدة السلطة بدون خضوع ديني لمقام الخلافة يملك على النفس وجدانها وعملها، فيحول بذلك دون الخروج على الحكومة والاستبداد دونها، ولئن رتق بنو أمية ما فتقوا بتمكنهم من جمع الكلمة، وتوحيد السلطة، وتوجيه المسلمين إلى الجهاد في الكفار، وفتح الأمصار، وحمد لهم الجمهور هذا على كراهته لفسوق أكثرهم، فلقد كان رتقهم له بالعصبية مع الإسراف في الترف والتفريط في العلم والتقوى رتقًا واهيًا، ولمقام الخلافة منافيًا، ولذلك كان أمده قريبًا.
قضى بنو العباس على بني أمية بقوة العصبية التي ابتدعوها، ثم قضوا بها على خلافة النبوة التي تقلدوها، واعتمدوا فيها على الأعاجم فكانت بذلك شرًّا مما قبلها، وإنما امتاز أوائلهم بالعلم، فبلغ الذروة في عهد المأمون، كما كان لهم مزيد حرمة عند الأمة بقرابة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولكن شان عِلمَ المأمون نصرُه للبدعة، وما كان ينبغي للخليفة أن يتعدى حدود قطعيات الكتاب والسنة، ويضطهد حرية الاجتهاد في العلم والدين، بنصر فريق على فريق من الباحثين، فالملك يجب أن يكون - كما يقول ساسة هذا العصر - بمعزل عن المذاهب والأحزاب، ثم ما زال يضعف العلم ويتضاءل نفوذ النسب، وتتفرق قوى العرب، وتحل محلها عصبية العجم، حتى صار الخليفة شبحًا من أشباح اللعب، يُزين بالحرير والذهب، ويُستنطق بما لا يريد أو بما لا يفهم، ويوقع على ما لا يقرأ أو على ما لا يعلم، ويتحرك بتحريك البطانة والحاشية والحرس، وإنما يُعظَّم تعظيمًا صوريًّا، ويُمَكَّن من اللذات البدنية ما دام مواتيًا، فإن نبا أو أبى قتلوه ونصبوا شبحًا آخر مكانه، لا يرى وسيلة لاستدامة اللذة والفخفخة والزينة، إلا التجرد من الأمر والنهي والرأي والإرادة.