Printed page 462
تجرأوا على قتله، فوهت قوة الوحدة، وكثر السلاطين في الدولة، ووقف سير العلم والحضارة؛ لأن العلم كان عربيًّا وكان المرشد إليه القرآن العربي، وكان العرب هم الذين أحيوا منه ما أماته الزمان، وجددوا ما أخلقته صروف الحدثان، وجاراهم فيه مواليهم وتلاميذهم من الفرس والسُّريان، وكانت الحضارة عربية بالتبع للعلوم والفنون العربية، وكان الترك أبعد شعوب البشر عن العلم والحضارة؛ وإنما عندهم من آلة المُلك: الحرب والعصبية، فكانت دولتهم دولة حرب وفتح، لا دولة علم وفن.
وكان أكبر سيئات الترك العثمانيين إيثار لغتهم الهمجية، على اللغة العربية، لغة الدين والعلم والأدب والحضارة، وتحريهم إضعاف الأمة العربية واستذلالها لئلا يعود إليها حقها في الخلافة الإسلامية وحكم المسلمين؛ فإن الله تعالى بعث رسوله محمدًا خاتم النبيين في الأمة العربية، وأنزل عليه كتابه المعجز للبشر باللغة العربية، فجعل هدايته لهم عربية وحكمهم به عربيًّا فقال: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِياًّ (الرعد: 37) ولذلك انتهت عداوة دولتهم للغته بعداوتها له، وهؤلاء خلفاؤهم الكماليون يعدون التكلم بالعربية والتعلم للعربية وكتابة التركية نفسها بالحروف العربية من أكبر الجرائم السياسية التي يعاقب قانونهم مجترحها، فلا غرو أن يقول رسول الله النبي العربي فيما يعد من دلائل نبوته بخبر الغيب (أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء) وهو يدل بالإشارة أو فحوى العبارة إن لم يكن بنصها على أن سالبي ملك أمته لا يعدون منها، وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري أن المراد هنا بالأمة أمة الجنس لا أمة الدين. ونحن لا نطعن في إسلام الشعب التركي نفسه؛ وإنما نطعن في جهل دولته وعصبيتها، التي انتهت بضعف دينها ودنياها، ثم بما يشكو منه كل مسلم منهم ومن غيرهم من نبذ خلفها لكتاب الله وشرعه ظهريًّا.
استقلال العرب وحالهم بعد الحرب
(8) تغلب الترك العثمانيون على الدولة العباسية في الشرق، وخذلوا الدولة الأموية في الغرب (إذ استنصرت بهم على الأسبانيين فلم تنصرهم) واستولوا على مهد الحضارة العربية في العراق وسورية ومصر، فأضعفوا الحضارة والعلم في هذه البلاد؛ ولكنهم لم يستطيعوا إماتة اللغة العربية فيها، ولا الإدالة للغة التركية منها،