Printed page 463
ودان لهم أمراء الحجاز؛ ولكنهم ظلوا أصحاب السيادة والنفوذ فيه وحاولوا بعد ذلك كله قهر عرب الجزيرة وإخضاعهم لحكمهم فظلوا يقاتلونهم عليها أربعة قرون ونيف، فنقصوها من أطرافها، واستولوا على ثغورهم البحرية؛ ولكنهم عجزوا عن قهر أئمة اليمن وأمراء نجد وإخضاعهم لحكمهم، فالعرب الصرحاء الخُلَّص ظلوا في عقر جزيرتهم مستقلين في حكم أنفسهم، لم يقهرهم الترك عليها، بل ظلوا يدافعونهم عنها وينتصرون عليهم فيها، حتى إذا مزقت الحرب الأخيرة سلطنتهم الواسعة، ظهرت جزيرة العرب في الوجود مستقلة تامة الاستقلال سالمة من كل نفوذ أو امتياز للدول الأجنبية فيها، إلا ثغر عدن الذي اغتصبته الدولة البريطانية في القرن الماضي والمقاطعات التسع اليمنية التي تدَّعي حمايتها ولا تتدخل في أمر حكوماتها، وإلا ما كان وهبه الملك علي بن حسين من أرض مملكة الحجاز لإمارة شرق الأردن، وهو ثغر العقبة المنيع على البحر الأحمر والمنطقة الممتدة منه إلى معان أهم المحطات لسكة الحديد الحجازية، فكل من هذا وذاك موضع نزاع بين الإنكليز والدولتين العربيتين المستقلتين في جزيرة العرب: مملكة اليمن الإمامية ومملكة الحجاز ونجد الملكية، وقد اعترفت الدولة البريطانية بالاستقلال التام المطلق لهذه الدولة دون تلك، وعقدت معها معاهدة على قاعدة المساواة؛ ولكن بقيت منطقة العقبة ومعان موقوفة لتحل عقدتها بالمفاوضة السياسية، وأما الاعتراف باستقلال اليمن فقد تعددت فيه المراسلات والمفاوضات بين الدولتين البريطانية واليمانية، ولابد أن تنتهي قريبًا برجوع الأولى عن كل حق تدعيه فيما عدا منطقة عدن، فإنه يستحيل تركها إياها لليمن.
حال الممالك العربية اليوم
(9) ذلك شأن مهد الأمة العربية ومنبت أرومتها، ومعقل قوتها، لم يغلبها عليه كله أحد، فهي لا تزال فيه عزيزة النفس، قوية البأس، مرفوعة الرأس، وأما ما يتصل به من مواطن حضارتها وعمرانها، وعواصم خلافتها أو سلطانها، وهي مصر وسورية والعراق فقد احتل أكثره الإنكليز وبعضه الفرنسيس قبل الحرب وبعدها، وجعلوا حكوماتها العربية تحت سيطرتهم العسكرية بدعوى مساعدتها على إصلاح شؤونها إلى أن تقوى على النهوض بأعباء استقلالها المعترف لها به بنفسها، ولا تزال