Printed page 464
هذه الشعوب العربية تنازع هاتين الدولتين في دعواهما ما تسميانه حق الاحتلال والانتداب، ولابد من وصولهما إلى حقهما في الاستقلال المطلق في يوم من الأيام.
(ولا ننسى الممالك العربية الإفريقية الأربع فهي لابد من استقلالها أيضًا؛ فإن استعباد الأمم الكبيرة بالقهر العسكري لن يدوم إذا هي عرفت نفسها وحال العالم وسنن الاجتماع فيه؛ ولكن كلامنا الآن ليس فيها) .
استحالة ظهور اليهود على العرب
(10) عُلم مما تقدم أن الأمة العربية أقوى وأعز وأفضل من الشعب اليهودي ماضيًا وحالاً، وأرجى منه استقبالاً، فهي لا تزال ذات مُلك وسلطان، وممالك وأوطان، ولغة حية، وشرع نافذ وعادل، فإن كانت ثروة اليهود النقدية أكبر؛ فإن ثروة العرب الطبيعية أعظم، ألا وهي ثروة الأرض التي هي أصل كل ثروة بأقواتها ومعادنها، وهم يملكون عشرات الألوف والأميال منها، وإن كان اليهود أقدر على تسخير القوة البريطانية بدهائهم ومكرهم وأموالهم، فالعرب أقدر على إبطال كيدهم هذا بكثرتهم، إذا هم جمعوا كلمتهم، وبنفوذهم في العالم الإسلامي الذي يعطف عليهم لأنهم قوم نبيهم، وأرومة دينهم، وحفظة قبلتهم، وعُمَّار مساجدهم الثلاثة المقدسة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فإن لم يقدروا على ذلك بالإقناع البرهاني الذي يفضلونه، فسيقدرون عليه بالدفاع الحربي الذي لا يخافونه، وقد علم زعماء الأمتين، أن ما بذلتاه من الدماء والأموال في سبيل الدفاع عن الدولتين، لو بذلتاه في سبيل حريتهما واستقلالهما، لكان كافيًا لهما، وأن تلك الملايين من رجالهم التي سخرتها الدولتان لأنفسهما في الحرب ما كان يمكنهما تسخيرها بالقوة، وأنها لو ثارت عليهما في وقت ضعفهما لما فقدت في قتالهما عُشْر ما فقدته في قتال أعدائهما، وإذًا لخسرتا الحرب وفاز بها أعداؤهما.
وقد رأوا بأعينهم، وخبروا بأنفسهم، ما كان من تأثير الثورة المصرية الصغيرة العزلاء على بريطانية العظمى بعد الحرب الظافرة هي فيها على حين كان جيشها من جميع الأسلحة يموج في أرض مصر، كما تموج أساطيلها في كل بحر، وعلموا أنه لولاها لم ترفع تلك الحماية التي ضُربت عليها، ولم يعترف لهم بالاستقلال المقيد فيها، ثم رأوا ثورة العراق التي فتحتها الدولة البريطانية فتحًا، وأخذتها عنوة لا صلحًا، وجعلتها تابعة للإمبراطورية